زكريا القزويني
119
عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات
فقلت : أنا يا قوم في معرض الهلاك ، وأنا رجل سئمت من الشقاء ، وكنت أتمنى الموت ، وكان في السفينة جمع من الأصفهانيين فقلت لهم : احلفوا إنكم تقضون ديوني وتحسون إلى أولادي وأنا أفديكم بنفسي ، فأجابوا إلى ذلك فقلت للمعلم : ماذا تأمرني ؟ فقال : أن تقف على هذه الجزيرة ، وكان بقرب الدردور جزيرة مسيرة ثلاثة أيام بلياليها ، ولا تفتر عن ضرب هذا الدهل ، فقلت لهم : أفعل ذلك ، فحلفوا لي أيمانا مغلظة على ما شرطت عليهم ، وأعطوني من الماء والزاد ما يكفيني أياما ، وأنا طرف الجزيرة ، فذهبت ووقفت وشرعت في ضرب الدهل ، فرأيت المياه تحركت وجرت المركب وأنا أنظر إليه حتى غاب عن بصري . قال : فلما غاب عني المركب جعلت أتردد في الجزيرة ، فإذا أنا بشجرة عظيمة لم أر أعظم منها ، وعليها شبه سطح غليظ ، فلما كان آخر النهار أحسست بهدة شديدة ، فإذا طائر لم أر حيوانا أعظم منه جاء ووقع على سطح تلك الشجرة ، فاختفيت منه خوف أن يصطادني ، إلى أن بدأ ضوء الصباح فنفض جناحيه وطار . فلما كانت الليلة الثانية جاء ووقع على عشه وكنت أيضا آيسا من حياتي ورضيت بالهلاك ودنوت منه فلم يتعرض لي بشيء وطار مصبحا . فلما كانت الليلة الثالثة قعدت عنده من غير دهشة إلى أن نفض جناحيه عند الفجر ، فتمسكت برجله فطار أسرع طيران إلى أن ارتفع النهار ، فنظرت نحو الأرض فما رأيت سوى لجة البحر فكدت أترك رجله من شدة ما نالني من التعب ، فحملت نفسي على الصبر إلى أن نظرت نحو الأرض فرأيت القرى والعمارات فدنا من الأرض وتركني على صبرة تبن ، في بيدر لبعض القرى والناس ينظرون إلي ، ثم طار نحو الهواء وغاب عني . فاجتمع الناس إليّ وحملوني إلى رئيسهم ، فأحضر لي رجلا يفهم كلامي ، فقالوا لي : من أنت ؟ فحدثتهم بحديثي كله فتعجبوا مني وتبركوا بي وأمر الرئيس لي بمال ، فبقيت عندهم أياما فمشيت يوما إلى طرف البحر أتفرج ، فإذا قد وصل مركب أصحابي ، فلما رأوني أسرعوا سائلين عن حالي ، فقلت لهم : يا قوم إني بذلك نفسي للّه تعالى ، فأنقذني بطريق عجيب وجعلني آية للناس ، ورزقني المال ، وأوصلني إلى المقصد قبلكم ، فهذه حكاية عجيبة ، وإن كانت غير بعيدة من لطف اللّه تعالى .